الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

54

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الخيرات فيحصل من ذلك الترغيب في الازدياد من الأعمال الصالحة ليزدادوا رفعة عند ربّهم ، كما قال أبو بكر الصديق - رضي اللّه عنه - « ما على من دعي من جميع تلك الأبواب من ضرورة » . والأجر : العوض المعطى على عمل ، وتقدّم في قوله : إِذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ في سورة العقود [ 5 ] . [ 23 ] [ سورة التوبة ( 9 ) : آية 23 ] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آباءَكُمْ وَإِخْوانَكُمْ أَوْلِياءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ( 23 ) استئناف ابتدائي لافتتاح غرض آخر وهو تقريع المنافقين ومن يواليهم ، فإنّه لمّا كان أوّل السورة في تخطيط طريقة معاملة المظهرين للكفر ، لا جرم تهيّأ المقام لمثل ذلك بالنسبة إلى من أبطنوا الكفر وأظهروا الإيمان : المنافقين من أهل المدينة ومن بقايا قبائل العرب ؛ ممّن عرفوا بذلك ، أو لم يعرفوا وأطلع اللّه عليهم نبيئه صلى اللّه عليه وسلم ، وحذّر المؤمنين المطّلعين عليهم من بطانتهم وذوي قرابتهم ومخالطتهم ، وأكثر ما كان ذلك في أهل المدينة لأنّهم الذين كان معظمهم مؤمنين خلصا ، وكانت من بينهم بقية من المنافقين وهم من ذوي قرابتهم ، ولذلك افتتح الخطاب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إشعارا بأنّ ما سيلقى إليهم من الوصايا هو من مقتضيات الإيمان وشعاره . وقد أسفرت غزوة تبوك التي نزلت عقبها هذه السورة عن بقاء بقية من النفاق في أهل المدينة والأعراب المجاورين لها كما في قوله تعالى : وَجاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ [ التوبة : 90 ] - وقوله - وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ [ التوبة : 101 ] ونظائرهما من الآيات . روى الطبري عن مجاهد ، والواحدي عن الكلبي أنّهم لمّا أمروا بالهجرة وقال العبّاس : أنا أسقي الحاج ، وقال طلحة أخو بني عبد الدار : أنا حاجب الكعبة ، فلا نهاجر ، تعلّق بعض الأزواج والأبناء ببعض المؤمنين فقالوا « أتضيّعوننا » فرقّوا لهم وجلسوا معهم ، فنزلت هذه الآية . ومعنى اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ أحبّوه حبّا متمكّنا . فالسين والتاء للتأكيد ، مثل ما في استقام واستبشر .